القرطبي

59

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

صلى الله عليه وسلم على القرآن وذاكروه فيه . وهذا كله قول المشركين . ومثله قولهم : " وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ( 1 ) " . " إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ( 2 ) " . وقيل : المعنى دارستنا ، فيكون معناه كمعنى درست ، ذكره النحاس واختاره ، والأول ذكره مكي . وزعم النحاس أنه مجاز ، كما قال : * فللموت ما تلد الوالدة ( 3 ) * ومن قرأ " درست " فأحسن ما قيل في قراءته أن المعنى : ولئلا يقولوا انقطعت وامحت ، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها . وقرأ قتادة " درست " أي قرئت . وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قرأ " دارست " . وكان أبو حاتم يذهب إلى أن هذه القراءة لا تجوز ، قال : لأن الآيات لا تدارس . وقال غيره : القراءة بهذا تجوز ، وليس المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم ، ولكن معناه دارست أمتك ، أي دارستك أمتك ، وإن كان لم يتقدم لها ذكر ، مثل قول : " حتى توارت بالحجاب ( 4 ) " . وحكى الأخفش " وليقولوا درست " وهو بمعنى " درست " إلا أنه أبلغ . وحكى أبو العباس أنه قرئ " وليقولوا درست " بإسكان اللام على الأمر . وفيه معنى التهديد ، أي فليقولوا بما شاءوا فإن الحق بين ، كما قال عز وجل " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ( 5 ) " فأما من كسر اللام فإنها عنده لام كي . وهذه القراءات كلها يرجع اشتقاقها إلى شئ واحد ، إلى التليين والتذليل . و " درست " من درس يدرس دراسة ، وهي القراءة على الغير . وقيل : درسته أي ذللته بكثرة القراءة ، وأصله درس الطعام أي داسه . والدياس الدراس بلغة أهل الشام . وقيل : أصله من درست الثوب أدرسه درسا أي أخلقته . وقد درس الثوب درسا أي أخلق . ويرجع هذا إلى التذلل أيضا . ويقال : سمي إدريسي لكثرة دراسته لكتاب الله . ودارست الكتب وتدارستها وادارستها أي درستها . ودرست الكتاب درسا ودراسة . ودرست المرأة درسا أي حاضت . ويقال :

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 3 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 95 . ( 3 ) هذا عجز بيت وصدره كما في المغى ( حرف اللام ) : * فإن يكن الموت أفناهم * ( 4 ) راجع ج 15 ص 195 . ( 5 ) راجع ج 8 ص 216 .